الجيوسياسة · الجيواقتصاد · 28 يوليو 2026

مضيق هرمز يتحول من عقدة نفطية إلى عقدة رقمية في الاقتصاد العالمي

لم يعد مضيق هرمز مجرد عنق زجاجة نفطي. فمن خلال قاعه تمر كابلات بحرية تربط الاقتصاد الرقمي الخليجي بالعالم، ما يحوّل هذا الممر البحري إلى عقدة استراتيجية في الاقتصاد العالمي.

الجيوسياسةالجيواقتصادإيرانالهندأوروباالسعوديةالجيوسياسةالجيوااقتصادالرقمنةالذكاء الاصطناعيالحضارة
مضيق هرمز يتحول من عقدة نفطية إلى عقدة رقمية في الاقتصاد العالمي

مضيق هرمز لا يصبح عقدة نفطية فحسب، بل عقدة رقمية للاقتصاد العالمي — الجزء الأول.

اليوم يكاد الجميع يعرف أن مضيق هرمز عنق زجاجة نفطي يمر عبره 25% من التجارة العالمية بالنفط، و20% من التجارة العالمية بالغاز الطبيعي المسال، وما يصل إلى 30% من التجارة العالمية بالأسمدة.

غير أنه مع تطور الوضع الجيوسياسي في المنطقة اتضح أن مضيق هرمز يمتلك أهمية رقمية بالغة الخطورة، إلى جانب الأهمية النفطية والغازية، إذ تمر عبر المضيق بنية تحتية رقمية بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي.

تمر عبر قاع مضيق هرمز سبعة كابلات بحرية للألياف البصرية على الأقل، وأهمها AAE-1 وFALCON وGULF Bridge International (GBI):

  • كابل AAE-1 شريان عابر للقارات كبير يربط جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.
  • نظام كابلات FALCON يربط دول الخليج بالهند ومصر ودول أخرى في المنطقة.
  • شبكة GULF Bridge International (GBI) الإقليمية عالية السرعة تربط دول الخليج بعقد الاتصالات الدولية.

تمر عبر هذه الكابلات البحرية بيانات التجارة الإلكترونية والخدمات السحابية والمعاملات المصرفية والاتصالات الحكومية والعسكرية وحركة الإنترنت والاتصالات لملايين المستخدمين في المنطقة، وهو ما يشكّل بنية تحتية بالغة الأهمية للدول العربية. هذه الكابلات تربط الاقتصاد الرقمي سريع النمو لدول الخليج بالشبكة العالمية لنقل البيانات.

تستثمر الدول العربية في الخليج، ومنها السعودية والإمارات وقطر، بنشاط في إنشاء أحد أكبر مراكز البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي في العالم، بضخ مئات مليارات الدولارات وتنفيذ مشروعات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحواسيب الفائقة، سعيًا إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على موردها الرئيسي — النفط.

على سبيل المثال، يمكن إيراد عدة حالات. ومن أبرز مشروعات الإمارات مشروع «مبادرة ستارغيت ومجمّع الحواسيب الفائقة» الضخم بقيمة 20 مليار دولار بمشاركة OpenAI وNvidia وOracle، لإنشاء مركز بيانات بقدرة غيغاواط واحد في أبوظبي.

تبني الشركة الحكومية السعودية Humain «مصانع ذكاء اصطناعي» على أساس أحدث رقائق Nvidia، بما في ذلك نشر 18000 شريحة GB300 في المرحلة الأولى، وهو أحد المشروعات الكبرى الرئيسية في البلاد. وتبلغ النفقات الحكومية السنوية على تقنية المعلومات في السعودية 10 مليارات دولار.

غير أنه يجب إدراك أن قدرات الحوسبة هذه والبنية التحتية الرقمية، واقتصاد الذكاء الاصطناعي الذي يُبنى في الدول العربية بالمنطقة، لا يمكن أن تعمل باستقلالية دون هذه الكابلات.

وبالتالي، يتحول مضيق هرمز إلى إحدى العقد الرئيسية للاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع التدفقات الطاقية والنقلية والرقمية. والسيطرة على مثل هذه البنية التحتية تعني التأثير ليس فقط على إمدادات النفط والغاز، بل أيضًا على تبادل البيانات الدولي.

مضيق هرمز لا يصبح عقدة نفطية فحسب، بل عقدة رقمية للاقتصاد العالمي — الجزء الثاني.

بالنظر إلى ما سبق، قد تتيح السيطرة على هذا المضيق التجاري الأهم لإيران استعادة أهميتها الجيوسياسية السابقة في المنطقة، لأن امتلاك هذا المسار يمنح موردًا جيوااقتصاديًا وجيوسياسيًا هائلًا.

واليوم، لم تعد السيطرة على المضيق الأهم مجرد سيطرة على تدفقات السلع، بل أيضًا سيطرة على تدفقات البيانات. وستتمكن إيران من تشغيل منظومتها الطاقية، بما في ذلك تصدير النفط، من خلال استخدام هذا المورد، وبذلك تعزز قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

وبالطبع، لا تريد القوى التي تحارب إيران أن تمتلك إيران مثل هذا المورد وتتطور تبعًا لذلك. غير أن الأحداث الأخيرة حول إيران أظهرت أن حتى المزيج الواسع النطاق من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية والضغط العسكري لم يؤدِّ إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لمُطلقيها.

وفي خضم تطور الأحداث الجيوسياسية في المنطقة اتضح أن إيران يصعب حقًا إخضاعها من الخارج. ولكن، إلى جانب العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي نوقشت أعلاه، أود أن أبرز عاملًا آخر يجعل إيران أقوى. فقد أظهرت الحالة أن إيران تمتلك هوية وطنية قوية، تدعمها إرث حضاري فارسي وذاكرة وطنية تشكّلت على مدى عدة آلاف من السنين.

وتعمل الهوية الوطنية في هذه الحالة ليس كعنصر من عناصر الوعي التاريخي بالذات فحسب، بل أيضًا كعامل مهم للاستقرار السياسي للدولة في ظروف الضغط الخارجي، حتى بعد تدمير معظم القيادة الروحية والسياسية والعسكرية العليا نتيجة الضربات الصاروخية على هذا البلد العريق.

المصدر: Telegram @livingfireworld · قراءة 5 دقائق